القاضي عبد الجبار الهمذاني

362

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : هذا دليلنا ، لأنه نبه بذلك على أن الواجب أن يقال في كتاب اللّه ، بما يدل ظاهره عليه ، ولا يرجع فيه إلى الرأي ، لأن هذه اللفظة إذا أطلقت ، والمراد بها ما يرجع إلى الاجتهاد ، وغالب الظن ؛ فإن صح الخبر فهذا مراده ، ولا بدّ من ذلك ؛ فقد ثبت : أنه استدل بالقرآن ، في أشياء كثيرة ؛ على ما روى عنه ، في ذلك . . على أن ذلك ينقض القول : بأن لأهل التفسير أن يفسروا القرآن ، « كابن عباس » وغيره . . ولو كان الأمر كما قالوه لكان يجب أن ينكر على « ابن عباس » وعلى غيره التفسير ، والاستدلال بكتاب اللّه تعالى ، فكان يجب أن يقتصر في ذلك على المأثور عن الرسول ، عليه السلام ، ونحن نعلم باضطرار خلاف ذلك . فإن قال : أفليس في التفسير يرجع إليهم في هذا الباب ؟ قيل له : لا يمتنع فيما تأوّلوه ، على وجوه ، مما لا يدل الظاهر عليه ، أن يجعل إجماعهم حجة فيه ؛ وهذا إنما يكون فيما لا يعرف بظاهر التنزيل ، ويصير كالمذاهب المأخوذة من الإجماع ؛ فأما إذا كان الظاهر يدل عليه فحال الجميع فيه تتفق ، ولا تختلف . . والّذي قدّمناه من أن الطريق الّذي به عرف السلف قائم لسائر أهل العلم ، هو الأصل في هذا الباب ؛ فلا وجه للإطالة فيه ؛ وإنزال القرآن بلغة العرب ، يدل على أن أهل اللغة يمكنهم الوصول إلى معرفته ؛ لأن الكل إذا اشتركوا في معرفة اللغة لم يجز أن يختص بعضهم بأن يعرف المراد بالكلام ، دون بعض ؛ لأن طريق المعرفة واحد ، فيما يرجع إلى اللغة ، وفيما يمكن أن يعرف به مراد اللّه تعالى ، فلا يصح إذا شارك العالم بالأمرين السلف ، أن لا يتمكن من معرفة المراد بالقرآن ، كتمكنهم ، كما لا يصح ذلك في سائر الطرق ، التي يوصل بها إلى المعارف ، ويقع الاشتراك فيها .